السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

88

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يوم يحضرون لربهم لا حجاب بينه وبينهم كما تقدم ، وقد عبر عنه باللقاء قبل عدة آيات في قوله : بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ، ثم عبر عنه بما في معناه في قوله : « ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ » . فيكون المعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب كما آتيناك القرآن فلا تكن في مرية من البعث الذي ينطق به القرآن بالشك في نفس القرآن وقد أيد نزول القرآن عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بنزول التوراة على موسى في مواضع من القرآن ، ويؤيده قوله بعد : « وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا » الخ . ويمكن أن يكون المراد بلقائه الانقطاع التامّ اليه تعالى عند وحي القرآن أو بعضه كما في بعض الروايات ، فيكون رجوعا إلى ما في صدر السورة من قوله : « تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » ، وذيل الآية أشد تأييدا لهذا الوجه من سابقه واللّه أعلم . وقوله : وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي هاديا فالمصدر بمعنى اسم الفاعل أو بمعناه المصدري مبالغة . قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ أي وجعلنا من بني إسرائيل أئمة يهدون الناس بأمرنا وإنما نصبناهم أئمة هداة للناس حين صبروا في الدين وكانوا قبل ذلك موقنين بآياتنا . وقد تقدم البحث عن معنى الإمامة وهداية الامام بأمر اللّه في تفسير قوله : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ( البقرة / 124 ) ، وقوله : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ( الأنبياء / 73 ) ، وغير ذلك من الموارد المناسبة . وقد تضمنت هاتان الآيتان من الرحمة المنبسطة بالتوراة أنها هدى في نفسه يهدي من اتبعه إلى الحق ، وأنها أنشأت في حجر تربيتها أناسا اجتباهم اللّه للإمامة فصاروا يهدون بأمره فهي مباركة للعمل بها ومباركة بعد العمل .